🟥 طوفان الأقصى وحماس: هل تتغير المواقف بتغير الظروف؟
بين دعم القضية الفلسطينية وتقييم حماس.. لماذا تبدو المواقف السياسية متناقضة؟
من انتخابات 2006 إلى طوفان الأقصى: اختبار المواقف بين الحرب والسياسة
حين يتعلق الأمر بفلسطين، لا ينبغي أن تكون المواقف رهينة للحظة السياسية. فالقضية الفلسطينية أوسع من الفصائل والأحزاب والحكومات، وأعمق من الخلافات السياسية التي تتبدل مع تغير الظروف.
لا أحد يستطيع مصادرة حق الآخرين في التعبير عن آرائهم، كما أن الاختلاف في المواقف السياسية أمر طبيعي في المجتمعات التي تبحث عن مستقبلها. لكن الاختلاف يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق بقضية بحجم القضية الفلسطينية، التي تجاوزت منذ عقود حدود التنظيمات والفصائل لتصبح قضية سياسية وإنسانية حاضرة في وجدان ملايين العرب والمسلمين وغيرهم حول العالم.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش: هل يمكن أن تتغير المواقف من حركة المقاومة الإسلامية حماس تبعاً للظرف السياسي؟ وهل يمكن أن يؤيدها طرف عندما تكون في مواجهة عسكرية، ثم يعارضها عندما تنتقل المعركة إلى مرحلة السياسة؟
هذا السؤال لا يهدف إلى مصادرة رأي أحد، ولا إلى تقديم إجابة مسبقة، وإنما إلى اختبار مدى اتساق المواقف السياسية عندما تنتقل القضية من مرحلة الحرب إلى مرحلة السياسة.
🟥 فلسطين أولاً.. قبل الفصائل والخلافات
من الضروري التمييز بين القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب وحقوق وأرض ومستقبل سياسي، وبين الفصائل والتنظيمات التي تمثل رؤى مختلفة داخل الساحة الفلسطينية.
فالتضامن مع الشعب الفلسطيني لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل سياسات حماس، كما أن انتقاد حماس لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لحقوق الفلسطينيين أو تجاهل لمعاناتهم.
وبالمثل، فإن تأييد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم لا يلزم صاحبه بتأييد كل قرار تتخذه أي قيادة فلسطينية، سواء كانت حماس أو فتح أو غيرهما.
هذه المسافة بين القضية والفصيل مهمة جداً، لأنها تسمح بالنقاش السياسي دون أن تتحول القضية الفلسطينية إلى مجرد ورقة في صراعات الإقليم.
🟦 انتخابات 2006.. حين تحدثت صناديق الاقتراع
لا يمكن فهم الجدل الحالي حول حماس من دون العودة إلى محطة سياسية مفصلية هي الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006.
فقد حققت حماس آنذاك فوزاً انتخابياً مهماً، لتدخل بعدها الساحة الفلسطينية مرحلة شديدة التعقيد، انتهت إلى صراع سياسي وأمني وانقسام بين حماس وفتح، وأصبح الانقسام الفلسطيني أحد أبرز العوامل التي أثرت في المشهد الفلسطيني طوال السنوات التالية.
ومنذ تلك اللحظة أصبحت حماس أمام معادلة صعبة: فهي حركة ذات حضور سياسي وعسكري واجتماعي واسع، لكنها في الوقت نفسه واجهت رفضاً وضغوطاً دولية وإقليمية متفاوتة، بينما بقيت السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس لاعباً أساسياً في الضفة الغربية وفي العلاقات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
🔎 سؤال سياسي:
إذا كان الاحتكام إلى الانتخابات مبدأً ديمقراطياً، فهل ينبغي احترام نتائجها حتى عندما تأتي بقوة سياسية لا تحظى بقبول الأطراف الأخرى؟
🟨 من الحرب إلى السياسة.. هل يتغير معيار الحكم؟
قد يتعاطف شخص مع المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، لكنه في الوقت نفسه يختلف مع حماس سياسياً. وقد يرى آخر أن حماس تمثل خياراً سياسياً أو عسكرياً مناسباً، بينما يعتقد ثالث أن مستقبل فلسطين يجب أن يُبنى على قيادة مختلفة.
كل هذه المواقف يمكن مناقشتها في إطار سياسي سلمي، لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح المعيار مزدوجاً: قبول طرف عندما يؤدي دوراً معيناً، ثم رفضه عندما يدخل المجال السياسي.
إذا كانت الديمقراطية مبدأً، فينبغي أن يكون احترام نتائج الانتخابات مبدأً أيضاً. وإذا كان الاختلاف مع برنامج سياسي مشروعاً، فينبغي أن يكون هذا الاختلاف مشروعاً في الحرب والسلم معاً، لا أن يتغير فقط لأن موازين القوى تغيرت.
الفكرة الأساسية
ليس المطلوب الاتفاق مع حماس في كل شيء، وإنما المطلوب أن يكون معيار الحكم على الأطراف ثابتاً: الحقوق، والانتخابات، والقدرة على الإدارة، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية السياسية.
🟩 طوفان الأقصى.. لحظة أعادت ترتيب الأسئلة
أعادت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وأطلقت حرباً مدمرة في قطاع غزة، كما أعادت فتح ملفات قديمة تتعلق بالمقاومة والاحتلال والرهائن والقانون الدولي ومستقبل الحكم الفلسطيني.
وفي ظل هذه الحرب، أصبح تقييم حماس أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فهناك من ينظر إليها باعتبارها حركة مقاومة تواجه إسرائيل، وهناك من يركز على الهجمات التي استهدفت مدنيين ويعتبرها أعمالاً إرهابية. كما أن دولاً وهيئات مختلفة تتباين في مواقفها القانونية والسياسية تجاه الحركة.
ولهذا فإن أي معالجة إعلامية مسؤولة ينبغي أن تميز بين وصف الواقع وتقييمه، وألا تحول الرأي السياسي إلى حقيقة مطلقة.
فالكاتب يستطيع أن يعلن موقفه، لكن القارئ من حقه أيضاً أن يعرف أين تنتهي المعلومة وأين يبدأ الرأي.
🟪 حماس بين الإنجاز العسكري والاختبار السياسي
يرى مؤيدو حماس أن الحركة استطاعت خلال سنوات طويلة الحفاظ على حضورها في الساحة الفلسطينية، وأن جناحها العسكري أثبت قدرة على الاستمرار في مواجهة إسرائيل رغم التفوق العسكري الكبير للطرف الآخر.
لكن النجاح العسكري، مهما كان تقييمه، لا يكفي وحده لإثبات القدرة على إدارة دولة أو مجتمع. فالحكم يحتاج إلى مؤسسات، واقتصاد، وقضاء، وخدمات عامة، وعلاقات دولية، وآليات للمساءلة، وقبل ذلك كله قدرة على حماية المدنيين وصون حقوقهم.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر نضجاً: هل تستطيع حماس، أو أي حركة فلسطينية أخرى، الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق الدولة؟ وهل تستطيع القوى الفلسطينية المختلفة الاتفاق على نظام سياسي يضمن المشاركة والتداول السلمي للسلطة؟
🟥 وماذا عن محمود عباس والسلطة الفلسطينية؟
في المقابل، لا يمكن أن تتحول انتقادات حماس إلى شيك على بياض لأي قيادة فلسطينية أخرى.
فالسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس تخضع هي الأخرى لتقييم سياسي يتعلق بالإدارة، والشرعية الانتخابية، والعلاقة مع إسرائيل، ومستوى الاستقلال السياسي، ومدى قدرتها على تمثيل الفلسطينيين في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن الخطأ اختزال مستقبل فلسطين في معادلة: إما حماس أو محمود عباس. فالمجتمع الفلسطيني أكبر من شخص أو فصيل، والمستقبل السياسي ينبغي أن يكون قادراً على استيعاب مختلف التيارات ضمن نظام يضمن المشاركة الشعبية والاحتكام إلى الانتخابات.
🟢 الموقف الثابت لا يعني التأييد المطلق
ربما تكون النقطة الأهم في هذا النقاش هي أن ثبات الموقف لا يعني ثبات التأييد المطلق لشخص أو تنظيم.
يمكن للإنسان أن يقف مع حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، وأن ينتقد حماس في الوقت نفسه. ويمكنه أن ينتقد السلطة الفلسطينية، دون أن يمنح حماس تفويضاً مفتوحاً.
كما يمكن للمرء أن يرفض الاحتلال، ويدافع عن حقوق المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين معاً، ويرفض في الوقت ذاته استهداف المدنيين أياً كانت الجهة التي ترتكب الفعل.
الحق لا يتغير بتغير هوية صاحبه.
🌿 ماذا بعد الحرب؟
قد يكون السؤال الأهم ليس فقط: من انتصر في هذه الجولة؟ بل: من يستطيع أن يقدم للفلسطينيين مستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً وكرامة؟
فمرحلة ما بعد الحرب ستكون أكثر تعقيداً من مرحلة الحرب نفسها. وستظهر ملفات إعادة الإعمار، وإدارة غزة، ووحدة النظام السياسي الفلسطيني، والعلاقات الدولية، ومستقبل السلاح، والانتخابات، وإعادة بناء المؤسسات.
وفي تلك اللحظة لن يكون كافياً أن تقول أي حركة إنها كانت في مقدمة المواجهة؛ بل ستحتاج إلى الإجابة عن أسئلة الدولة والمجتمع والقانون والحكم والمساءلة.
وإذا جاءت انتخابات فلسطينية جديدة، فإن الفيصل الحقيقي ينبغي أن يكون صوت الناخب الفلسطيني، لا رغبة هذه الدولة أو تلك، ولا موقف هذا المحور أو ذاك.
📜 بيت الشعر.. حين يصبح الموقف اختباراً
استشهد الكاتب في النص الأصلي ببيتي عنترة بن شداد، وهما يختزلان فكرة التناقض بين نظرة الإنسان إلى الآخر في أوقات السلم ونظرته إليه في لحظات المواجهة.
يُنَادُونَني في السِّلمِ يا ابنَ زَبيبَةٍ
وعندَ صِدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ
ولولا الهوى ما ذلَّ مثلي لمثلِهِ
ولا خضعتْ أُسدُ الفلا للثعالبِ
وتبقى الفكرة الأوسع من البيت الشعري: لا ينبغي للمواقف السياسية أن تكون موسمية؛ فالمبادئ التي ندافع عنها في لحظة الاختبار يجب أن تكون قابلة للدفاع عنها أيضاً عندما تتغير الظروف.
🔎 الخلاصة: فلسطين أكبر من الفصائل
القضية الفلسطينية ليست ملكاً لحماس، وليست ملكاً لفتح، وليست ملكاً لأي حكومة عربية أو إقليمية. إنها قضية شعب له حقوق سياسية وإنسانية، وتاريخ طويل من الصراع والنزوح والاحتلال والتضحيات.
أما الفصائل، فهي أدوات سياسية تتغير قوتها وشعبيتها وقدرتها على التأثير مع الزمن.
ولهذا فإن الموقف الأكثر اتساقاً ليس أن نقف مع فصيل لأنه فصيلنا، ولا أن نقف ضده لأنه خصم سياسي، وإنما أن نجعل معيارنا ثابتاً: الحق، والعدالة، وكرامة الإنسان، والانتخابات، والمساءلة، ورفض استهداف المدنيين، واحترام إرادة الشعب الفلسطيني.
وعندما تأتي لحظة الانتخابات، فليكن القرار للفلسطينيين أنفسهم. وعندما تختلف البرامج، فليكن الحكم للناخب. وعندما تقع الانتهاكات، فليكن المعيار واحداً أياً كان مرتكبها.
المواقف الحقيقية لا تُقاس فقط بما نقوله في زمن الحرب، بل بما نؤمن به عندما يأتي زمن السياسة والسلام.
📚 استكشف المزيد من محتوى شبكة المشهد الإعلامية
📖 اقرأ المزيد 📰 أخبار وتقارير ✍️ مقالات رأي ⭐ متابعة المدونة📌 للاشتراك ومتابعة كل جديد وحصري، فضلاً يرجى متابعة المدونة من خلال الضغط على زر متابعة الموجود أعلى الصفحة.
✍️ بقلم فريق تحرير مدونة شبكة المشهد الإعلامية
جميع الحقوق محفوظة
0 تعليقات