📖 الجليلة.. حين تتقمص الزعامة وجهًا آخر للخسارة
قراءة أدبية في قصة الجليلة للكاتب محمد عكف عوض مبارك
📚 إعداد وتقديم للنشر الإلكتروني: شبكة المشهد الإعلامية
🌿 قصة رمزية تكشف أثر القيادة الزائفة وتبدّل الفطرة
تزخر القصة القصيرة العربية بالنصوص الرمزية التي تتجاوز ظاهر الحكاية لتغوص في أعماق المجتمع والإنسان، وتأتي قصة «الجليلة» للكاتب اليمني المبدع محمد عـــكــف عوض مبارك نموذجًا مميزًا لهذا النوع من الأدب الذي يوظف الحيوان والبيئة الريفية لإيصال رسائل فكرية واجتماعية وإنسانية عميقة.
ومن خلال حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، ينجح الكاتب في رسم صورة رمزية مكثفة حول أثر التمييز غير المبرر، وخطورة منح القيادة لمن لا يمتلك مقوماتها الحقيقية، والنتائج التي قد تترتب على اختلال موازين المسؤولية داخل أي جماعة أو مجتمع.
وتتميز القصة بلغة سردية سلسة، ومشاهد حيوية تنبض بالحركة، فضلاً عن توظيفها الذكي للرمز والإسقاط الاجتماعي، الأمر الذي يمنحها أبعادًا متعددة تسمح للقارئ باستخلاص دلالات مختلفة وفق زاوية قراءته للنص.
لا تتحدث القصة عن قطيع من الماعز فحسب، بل تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول القيادة، والسلطة، والإعجاب الأعمى، وتأثير المجاملة المفرطة على صناعة نماذج قد تبدو ناجحة ظاهريًا بينما تقود الجماعة نحو الخسارة دون أن يشعر أحد.
🦙 نص القصة
قصة الجليلة
🖋️ محمد عـــكــف عوض مبارك
22 يناير 2022
على شفا الوادي اللامتناهي الأطراف، حيث بنى الرعيان حظائرهم، ليسهل رعي أغنامهم في رقعته الفسيحة والخصبة.
كذلك بنى سعد التهامي حظيرته وأحكم سياجها بالشوك، وجعل وسطها سقيفة تقي أغنامه من حرارة الشمس وعند هطول المطر.
قرابة الأربعين رأسًا يتعايشون في تلك الحظيرة، لا يُسمع لهم صوت، فقد نابت عنهم الجليلة، عنزة يخيل للناظر إليها بأنها تيس! كيف لا؟ وهي العنزة المحظية لدى الراعي سعد التهامي، دلّلها كثيرًا وأمعن في ذلك وأطلق عليها ألقابًا كثيرة: الزعيمة، الرئيسة، الوزيرة، السفيرة...
كلما لاح سعد بقرب حظيرته لإطعام مواشيه، تبرز هي من بين القطيع، راكضة نحوه، يسبقها صوتها الاستثنائي العجيب للاستئثار بأكبر كمية علف واهتمام من قبل سعد.
لقد ألفت رائحته، وخبرت ممشاه وحركاته وسكناته، حتى في غفلتها صارت تحس بوجوده واقترابه في أي وقت يحضر أو يخطر بالقرب من الحظيرة.
تصدرت القطيع، وصارت تقوده في المرعى وكذا في الحظيرة، تجاهلت ريادة الذكور وتناست الفارق، واعتادت الأمر، واتصفت بالذكورة شكلاً ومضمونًا، حتى إن رائحتها تحورت وباتت كرائحة التيوس، وكذلك صوتها صار جهوريًا فوضويًا.
عملت على وأد صوت الأنثى الصارخ في جوفها.
افتخر بها وأصبح ينظر إليها ويعدها في منزلة تيس من التيوس.
ينشرح خاطر الراعي سعد التهامي أيما انشراح وينبسط غاية الانبساط حين يرى عنزته القرناء تناطح وتدافع بقرونها بقية الماعز ذكورًا وإناثًا عند المأكل والمشرب والمبيت، ويعلق بقوله:
«أمانة... إنك أفضل من مائة تيس».
تتمادى في إيذاء أقرانها لانتزاع مزيد من الإعجاب والدهشة والابتسامات البلهاء الصادرة من محيا سعد.
صارت الجليلة محور حديث سعد حتى مع فريدة زوجته في المنزل الكائن ليس ببعيد عن الحظيرة.
لم ينتبه سعد لتناقص أعداد أغنامه بسبب سوء قيادة الجليلة للقطيع، ولم ينتبه أيضًا لغيرة زوجته فريدة ووسوستها وعدم رضاها عن وضعها غير الطبيعي بعدم الإنجاب بعد مرور سبع سنوات من الزواج.
قرر سعد الذهاب إلى المدينة لقضاء بعض الأعمال وجلب المؤونة، وأوكل مهمة الرعاية لزوجته فريدة.
مكرهةً، ذهبت فريدة إلى ضاربة الرمل المنجمة لكي تطالع لها البخت وتكشف لها المستور بشأن الخلفة.
كانت المنجمة الدجالة في العقد الخامس من عمرها، مهملة المنظر، شعرها منكوش، منفوخة العينين، وأسنانها مسودة، يظهر عليها أثر التدخين المفرط.
فما كان منها بعد إشعال البخور ورش اللبان على النار وقراءة بعض الطلاسم والخزعبلات ولف بعض الحروز والتمائم العابقة برائحة الحلتيت والمر واللبان والزعفران ودسها في يد فريدة، إلا أن أمرتها أن تذبح رأسين من أفضل وأحسن ما لديها وتطعم بها ثلاثين بيتًا من غير بخل، وألا تنسى أن تأتيها هي أيضًا بحصتها من الطعام.
ذهبت فريدة مباشرة إلى الحظيرة وذهلت لهول ما رأته من تناقص في عدد الأغنام بعد تعهدها لهم قبل شهر.
عجيبة! قالت فريدة مخاطبة نفسها بعد أن صوبت بصرها للجليلة: كان عددهم أربعين قبل شهر!
وكيف صار عددهم اثنين وثلاثين؟ فما كان منها إلا أن توجه اللوم لزوجها سعد الغائب بتوليته الريادة للجليلة.
نفذت فريدة وصية المنجمة الدجالة بحذافيرها واختارت أفضل وأسمن ذبيحتين في الحظيرة.
عاد سعد بعد خمسة أيام قضاها في المدينة وذهب يتفقد حظيرته، لكنه لم ير الجليلة ولم يسمع لها صوتًا ولم يعد لها وجود، فأصابه الهلع.
يسأل زوجته بحنق: أين الجليلة؟
فتسأله بكل هدوء:
الأحرى بك أن تسأل نفسك أين العشرة الرؤوس المفقودة؟
والأجدر بك أن ترعى وتنمي الثلاثين رأسًا الباقية.
🔎 قراءة أدبية وتحليل دلالي
تكمن قوة هذه القصة في بعدها الرمزي العميق؛ فـ«الجليلة» ليست مجرد شخصية حيوانية داخل النص، بل رمز لحالة من تضخم الأنا التي قد تنشأ نتيجة الإطراء المفرط ومنح الامتيازات بصورة غير متوازنة.
كما يرصد الكاتب بأسلوب ساخر وهادئ كيف يمكن للإعجاب غير المنضبط أن يحول الفرد من عنصر داخل الجماعة إلى سلطة متحكمة فيها، بينما يغفل صاحب القرار عن النتائج الحقيقية التي تتراكم بصمت حتى تظهر الخسارة في صورتها النهائية.
ويبرز النص أيضًا قيمة المراجعة والنقد الذاتي، إذ ينشغل سعد بمظاهر القوة والتميز، بينما يغفل المؤشرات الواقعية التي كانت تتكشف أمامه يومًا بعد آخر.
ومن الناحية الفنية اعتمد الكاتب على الرمز والسرد المكثف والمفارقة النهائية التي جاءت قوية ومباغتة، فشكّلت خاتمة تحمل رسالة أخلاقية وفكرية واضحة دون مباشرة أو وعظ.
تقدم «الجليلة» درسًا أدبيًا عميقًا حول مخاطر القيادة القائمة على التفضيل الشخصي والإعجاب الأعمى، وتؤكد أن نجاح الجماعة لا يقاس بسطوع فرد واحد بقدر ما يقاس بسلامة الجميع واستقرارهم.
0 تعليقات