ريموت كنترول.. حين يصبح الزر سيد المكان
قصة قصيرة للكاتب محمد عكف عوض مبارك، ترسم في قالب ساخر علاقة الإنسان بالسلطة الصغيرة التي قد تتحول إلى عادة تفرض نفسها على الجميع.
📺 حكاية بسيطة.. ودلالة أكبر من جهاز صغير
أحياناً لا تحتاج القصة القصيرة إلى أحداث كثيرة حتى تترك أثراً في ذهن القارئ. فقد تبدأ من تفصيل يومي عابر، مثل جهاز تحكم عن بُعد، ثم يتحول هذا التفصيل الصغير إلى نافذة نطل منها على الأسرة، والعادات، واختلاف الأجيال، وطريقة تعامل الناس مع الأشياء الجديدة حين تدخل إلى حياتهم.
وهذا ما يلفت النظر في قصة «ريموت كنترول» للكاتب والأديب مـحـمـد عـكـف عوض مبارك، التي تتخذ من منزل يمني بسيط ومن علاقة جدٍّ بتلك القطعة الصغيرة من التكنولوجيا مساحةً للسرد والمفارقة.
فالريموت في الحكاية ليس مجرد وسيلة لتغيير القنوات، بل يتحول تدريجياً إلى رمز للسيطرة على المشهد داخل غرفة المعيشة، وإلى سبب في نشوء مفارقة تجمع بين الطرافة والضيق، وبين دهشة جيل قديم أمام التكنولوجيا وتعلق جيل آخر بحريته واختياراته اليومية.
حكاية الجد والريموت.. مفارقة بين جيلين
من بيت طيني بسيط إلى شاشة التلفاز.. تبدأ الحكاية من دهشة صغيرة وتنتهي بمفارقة تكشف الكثير.
🌿 بين البيت القديم والشاشة الحديثة
تستمد القصة جزءاً مهماً من قوتها من البيئة التي اختارها الكاتب لتكون مسرحاً للأحداث. فالبيت الطيني التقليدي، والغرف المحدودة، والحوش المفتوح، وزريبة الأغنام، والمطبخ ومفرداته، كلها تفاصيل ترسم للقارئ فضاءً يمنحه إحساساً بالمكان قبل أن يبدأ الصراع الحقيقي.
وفي الجهة الأخرى تظهر الشاشة الحديثة والرسيفر والريموت كونترول، فتلتقي داخل المكان نفسه صورتان للحياة: عالم الجد الذي جاء من الريف محملاً بذاكرة الأغنام والحقل والقرية، وعالم الأبناء الذين أصبحت الشاشة جزءاً من تفاصيل يومهم. ومن هذا التباين يولد جانب كبير من الطرافة في الحكاية.
📝 النص الأصلي كما ورد
حفاظاً على العمل الأدبي ونسبته إلى صاحبه، يرد النص القصصي في القسم التالي كما ورد في المادة الأصلية، بينما تقتصر المعالجة التحريرية المصاحبة على المقدمة والقراءة الأدبية والتنسيق الإلكتروني، دون إعادة صياغة أحداث القصة أو تغيير بنيتها.
ريموت كنترول
قصة للكاتب-محمد عكف عوض مبارك-يناير-2021-زنجبار
آ هـٍ جدي.. يكررها سعيد في سره.. مخافة ان يسمعه والده.. فتنزل عليه عقوبة تاباها نفسه ويعافها كبريائه، وهو في غنى عنها.. بعد ان صار شاباً ذو مكانة بين أقرانه.
في منزلهم الطيني التقليدي والذي بالكاد بناه والده ..ذو الغرفتين العتيقتين والحوش المفتوح على السماء، والمحتضن لزريبة الأغنام في أطرافه ..ووضع الحمّام في الركن الأيمن، وبجانبه المطبخ المفتوح يتوسطه (المكريب)وفي الركن (موفا) مدفون تظهر أطراف حوافه الدائرية.
كما خصصت غرفة للمعيشة والاستقبال ونوم الصبية، وفيها تلفاز حديث مع ،الرسيفر، وضع للجدار.
بينما الغرفة الأخرى لوالد سعيد وأم سعيد وطفلين صغار لم يبلغوا الحلم بعد.
يتكوم سعيد وأخوته الثلاثة، وكرائمه الاثنتين، في غرفة المعيشة.
عشاءً في السمر .. يتحدث سعيد مع بعض أصدقائه :
جدَّي قد بلغ من العمر عتياً. قضى حياته في الريف يعمل في رعي الأغنام وزراعة الحقل.
زارنا جدي ذات نهار. بعد أن هده التعب. لكي يأخذه والدي للطبيب .
أقر الطبيب الراحة لجدي حتى يتعافى من آلام الظهر. فكان لِزاماً أن يسكن معنا في غرفة المعيشة. ليصبح إجمالي عددنا في الغرفة سبعة!!.
هيأنا لجدي مُتكئاً ومجلساً معاً قبالة التلفاز.. وكأن جدي لأول مرة يرى فيها،، ساتلايت،،.. فكنت أجلس بجانبه ويراني أقلب القنوات بالريموت كونترول.. فأصيب بالذهول والاندهاش!!.. فعلمت إنه يريد ما بأيدي من تحفة عجيبة مدبَّجة بالرموز والأرقام !!.
أمسك بالريموت وهو يسألني:[ ،،هذا أيش؟.. وهذا ليش؟ وكيف كذا ؟وكيف؟ وكيف؟،،..... ]وأخذ يقلـَّب القنوات في ذهول.. صعوداً وهبوطاً .وكأنه طفل صغير قد وجد لعبته الضالة!.
صار جدي المتحكم بالريموت.. ولم يتركه من بعدها.. فأولع بالتكرار والتدوير لبعض القنوات الرتيبة والمملة.. وتناسى وجودنا معه في نفس المسكن .. فكان يرفع الصوت تارة.. وتارات يخفضه! ويغلقه ..ويفتحه.. ولم نجرؤ ان ننازعه او نخالفه في شيء!.
أدمن جدي على زر التحكم، وصار لا يكاد يفارقه حتى أثناء مداهمة الألم له.. فكان يدسه تحت الوسادة.. حيث كان أيضاً يخفي ماله وما تجود به ايادي الزوار.. مخافة أخذه منه.
فرض جدي علينا روتين جديد ممل .. ولم يبالي بوجودنا ولا باختياراتنا. فصرنا نخفي امتعاضنا عنه وعن والدي.
أحد أصدقاء جدي قبل سفره أراد أن يضع شاشة عرضه في ايادي ،آمنة، لما لها من مكانة خاصة في قلبه ووجدانه.. لذلك أهداها لجدي!.. بدوره جدي وضعها في غرفة المعيشة.
فصارت دهشة جدي أكبر.. وصارت الصورة في عيونه أجمل وأكمل وأكبر وأوضح برغم قصر نظر جدي!.
وتبدل الريموت بآخر أروع ..فطاب المقام لجدي وتناسى أغنامه ومزرعته وقريته وأهلها ومسقط رأسه !..لم يدرك جدي بإن وضعنا أصبح مُتعِب.. وبإننا لم نعد نتنفس ونتحرك ونعيش كما ينبغي!.
لم نستطيع نذاكر.. ولم نستطيع النوم.. ولم نستطيع حتى ان نتحدث بحرية! وكذلك فقدنا أشياء كثيرة!.
مراراً وتكراراً. كنا نطلب منه أن يأتينا بقناة عدن قناتنا المفضلة :
"أقلب قناة عدن يا جدو. هات لنا قناة عدن يا جدو"
.. ولم يعيرنا أي اهتمام وكأنه لا يسمع مناداتنا!!.
بات جدي على حاله حتى في أشد حالات مرضه.. وارتعاشه أوصاله.. وهذيانه.. فلم يزده ذلك إلا عناداً ومكابرة!.
ولايزال جدي ممسكاً بالريموت كونترول ومولعاً. بنفس القنوات الهابطة.. وبنفس الوجوه الماسخة !. القصة التالية {خمس كرات }.
الريموت.. من أداة للتحكم إلى رمز للسيطرة
من أجمل ما يمكن ملاحظته في هذه القصة أن الكاتب لم يجعل «الريموت كونترول» مجرد قطعة إلكترونية تظهر في الخلفية، وإنما جعله محوراً يتحرك حوله جزء أساسي من الأحداث. في البداية يبدو الجهاز شيئاً غريباً بالنسبة إلى الجد، ثم يتحول إلى مصدر دهشة، وبعد ذلك يصبح وسيلة تمنحه إحساساً بالتحكم، إلى أن ينتهي الأمر بفرض اختياراته على الجميع.
وهنا تتحول الأداة الصغيرة إلى رمز قابل للقراءة بأكثر من طريقة. فالذي يمسك جهاز التحكم هو الذي يقرر ما يشاهده الآخرون، ومتى يرفع الصوت، ومتى يخفضه، ومتى يغير القناة. وبذلك تصبح غرفة المعيشة مساحة مصغرة لعلاقة بين من يملك القرار ومن يضطر إلى التكيف معه.
المفارقة أن الجد لا يبدو في البداية باحثاً عن السيطرة، بل مجرد رجل مسن اكتشف شيئاً جديداً وأعجب به. لكن التعلق المتزايد بالجهاز يكشف كيف يمكن للعادة أن تبدأ من فضول بريء، ثم تتحول إلى سلوك يفرض نفسه على المحيطين بصاحبها.
👴📺 جيل قديم أمام عالم جديد
تحمل القصة في خلفيتها صورة واضحة لاختلاف التجارب بين الأجيال. فالجد عاش حياته في الريف، بين رعي الأغنام وزراعة الأرض، ولذلك تبدو التكنولوجيا الحديثة أمامه شيئاً مدهشاً يستحق الاكتشاف. أما الأبناء فقد اعتادوا على وجود التلفاز والقنوات، ولذلك أصبحت الشاشة بالنسبة إليهم جزءاً من الحياة اليومية وليست اكتشافاً جديداً.
ومن هنا تنشأ المفارقة: الشيء الذي يراه الجد لعبة جديدة ومثيرة، يراه الآخرون مساحة من حياتهم اليومية يريدون أن يشاركوا في اختيارها. وبين النظرتين تتشكل كوميديا الموقف التي تقوم عليها القصة.
🏠 ملامح من الحياة والبيئة اليمنية
تمنح التفاصيل المكانية القصة نكهتها المحلية، فالمسكن الطيني، والحوش، وزريبة الأغنام، والمطبخ ومفرداته، ثم حضور التلفاز والرسيفر داخل هذا البيت، كلها عناصر تجعل الحكاية مرتبطة ببيئة اجتماعية واضحة. وهذا المزج بين القديم والجديد يمنح النص بعداً يتجاوز الموقف الطريف، لأنه يوثق بصورة أدبية لحظة من لحظات التغير في تفاصيل الحياة اليومية.
😄 السخرية التي تخفي خلفها معنى
لا تعتمد القصة على السخرية لمجرد إضحاك القارئ، بل تستخدم الموقف الكوميدي لتقديم معنى اجتماعي أكثر عمقاً. فالضحك هنا يأتي من تناقض بسيط: رجل جاء إلى منزل أبنائه بسبب المرض والراحة، ثم وجد نفسه مستحوذاً على أكثر الأشياء إثارة في الغرفة.
ومع مرور الوقت تتغير زاوية النظر؛ فما كان في البداية موقفاً طريفاً يصبح عبئاً على بقية أفراد الأسرة. وهكذا تنقل القصة القارئ بهدوء من الدهشة إلى الطرافة، ثم إلى الضيق، قبل أن تتركه أمام المفارقة النهائية.
🎨 البناء الفني في القصة
تقوم الحكاية على تصاعد بسيط لكنه فعال: تقديم البيئة، ثم دخول الجد، ثم اكتشافه للريموت، ثم تعلقه به، ثم اتساع أثر هذا التعلق على بقية أفراد الأسرة. هذه الحركة التدريجية تجعل القارئ يتابع التحول دون حاجة إلى تعقيد في الأحداث.
كما يعتمد النص على الحوار واللغة القريبة من الحياة اليومية، وهو ما يمنحه حيوية ويجعل الشخصيات تبدو مألوفة للقارئ. وتظهر شخصية الجد من خلال أفعاله أكثر مما تظهر من خلال الوصف المباشر، بينما يقدم سعيد تجربته من موقع الشاهد الذي يعيش الموقف ويصف تأثيره عليه وعلى إخوته.
ويأتي عنصر التكرار في القصة متوافقاً مع موضوعها؛ فتكرار القنوات، ورفع الصوت وخفضه، والتمسك بالريموت، كلها أفعال متكررة تنسجم مع فكرة الروتين الذي فرضه الجد على البيت.
🔍 مفاتيح قراءة «ريموت كنترول»
📺 التكنولوجيا
شيء جديد يثير فضول جيل لم يألفه من قبل.
👴 الأجيال
اختلاف التجربة بين من عاش حياة الريف ومن نشأ مع الشاشة.
🎭 المفارقة
قطعة صغيرة تمنح صاحبها سلطة كبيرة داخل الغرفة.
🏠 الأسرة
المكان المشترك يصبح ساحة لاختلاف الرغبات والاختيارات.
🌟 ما الذي يبقى من الحكاية؟
تبقى قيمة «ريموت كنترول» في أنها تنطلق من موقف مألوف وبسيط، لكنها تمنح هذا الموقف مساحة للتأمل في تفاصيل الحياة اليومية. فالسلطة قد تبدأ أحياناً من شيء صغير جداً، وقد يتحول الاعتياد إلى عادة، والعادة إلى نظام يفرض نفسه على الآخرين دون أن يشعر صاحبه بذلك.
وبين الجد الذي وجد في الريموت اكتشافاً ممتعاً، وأفراد الأسرة الذين وجدوا أنفسهم أمام شاشة لا يملكون اختيار ما تعرضه، تظل القصة محتفظة بمفارقتها الإنسانية الساخرة، وتترك للقارئ مهمة ابتكار قراءته الخاصة لما وراء الموقف.
📚 من أجواء القصص الأدبية
إذا استمتعت بهذه الحكاية، يمكنك متابعة المزيد من النصوص والقصص ضمن مساحة «أدب المشهد» في شبكة المشهد الإعلامية.
لا تتوقف الحكاية هنا...
تابع شبكة المشهد الإعلامية لاكتشاف المزيد من القصص والنصوص الأدبية والمقالات المتنوعة التي تجمع بين الحكاية والفكرة.
🔗 أقسام شبكة المشهد الإعلامية
جميع الحقوق الأدبية للنص القصصي محفوظة للكاتب والأديب مـحـمـد عـكـف عوض مبارك، وقد نُشرت القصة كما وردت دون أي تعديل في نصوصها، مع إضافة مقدمة وتحليل أدبي ومعالجة تحريرية خاصة بالنشر الإلكتروني.
0 تعليقات