🌿 التهاميون بين رقة القلوب وجمال البساطة 🌿

قراءة أدبية في ملامح الإنسان التهامي كما يصوره حمزة ذياب

حين تتحول اللهجة والأخلاق والوفاء إلى هوية إنسانية متكاملة


التهاميون بين رقة القلوب وجمال البساطة

تحتفظ الكتابات الأدبية الصادقة بقدرتها على توثيق ملامح المجتمعات والناس أكثر مما تفعل الدراسات المطولة أحياناً، لأنها تنطلق من الوجدان وتخاطب المشاعر مباشرة. وفي هذه المقالة الأدبية يقدم الكاتب والأديب حمزة ذياب صورة وجدانية للإنسان التهامي، مستحضراً ما يراه من قيم البساطة والوفاء والتسامح ورقة المشاعر التي تميز أبناء تهامة في المخيال الشعبي والاجتماعي.

ولا يتعامل النص مع هذه الصفات بوصفها حقائق مطلقة أو أحكاماً عامة، بل بوصفها رؤية أدبية وانطباعاً إنسانياً يعبر عن تقدير الكاتب لبيئته الاجتماعية والثقافية، في قالب لغوي غني بالصور والتشبيهات والإيحاءات الجمالية.


✍️ النص الأدبي

من هم المعنيون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أرق قلوباً وألين أفئدة

أيقنت أن التهاميين هم المعنيون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (أرق قلوباً وألين أفئدة)، ليس لأني تهامي، بل لأنهم لا يعرفون الإجرام ولا يجيدون الوحشية والعنجهية وسفك الدماء، يكرهون الحرب كما يكره العاقل الزلل، ويحبون السلم والوئام كحب قارون للمال.

لهم قلوب رقيقة كملمس قطرات الندى، وأفئدة بيضاء صافية كاللبن.

أولئك هم التهاميون، يُقْرُون الضيف، ويزورون الأرحام، ويصدقون الحديث، ويتعاونون فيما بينهم، كل صفات النبل قد جمعوها، وكل معاني الأخلاق قد حازوها.

يخاطبونك بلهجتهم الجميلة كعصفور يغرد ألحاناً أعذب من الموسيقى، فيبدلون لام التعريف ميماً حميرية "البيت" "امبيت"، وينطقون العين ألفاً "علي" "ألي"، وهكذا يتعاملون مع الحروف ببراءة ودون تكلف، بلهجة تزخر بالجمال والروعة والبهاء والنماء، ليست حديثة كما يعتقد البعض، إنها قديمة قدم التماثيل والقصور والمتاحف التاريخية، منحوتة في النقوش، ومدونة في الكتب؛ لذلك لم ولن تنقرض، ولم ولن تتلاشى كبقية اللهجات التي ذابت كالآيس كريم وتناثرت كذرات التراب المتطايرة.

إذا تكلم التهامي فعلى الجميع أن يصمت لأنه يتكلم ببراءة وبساطة ولطف؛ فتخرج الكلمات من فيه كما تخرج الدرة من جوف الصدف وكما يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر.

صحيح أنه لا يجيد رصف الكلمات ولا التلاعب بالحروف ولا يعرف الاستعارة والمجاز والطباق والتشبيه والكناية والتورية، ولكنه يجيد جبر القلوب وترسيخ المحبة وحل الخلاف وإصلاح ذات البين، وحسبه فخراً بذلك، لهذا قلت إن لفظه عطر يفوح، ولسانه جوهر يتلألأ.

سلام لأبناء تهامة الذين لا يفقهون ما قال عنترة ولا دراية لهم بتغزلات قباني ولا جنون قيس، ولا غرام جميل، ولا شعر الأخيلية، كل ما يعرفونه هو أن الحب وفاء، والصداقة وفاء، والأخوة وفاء، والأمانة وفاء، وكل شيء في الحياة يتطلب الوفاء، وما سوى ذلك فخيانة وغدر ورياء.

#حمزة_ذياب
2020/9/14


📖 قراءة أدبية في النص

يعتمد الكاتب في هذه المقالة على أسلوب وجداني احتفائي يركز على إبراز القيم الإنسانية والاجتماعية التي يراها متجسدة في المجتمع التهامي. ويستند النص إلى لغة تصويرية كثيفة، إذ تتكرر التشبيهات المستمدة من الطبيعة مثل الندى واللؤلؤ والمرجان والعصافير، بما يمنح النص طابعاً جمالياً ينسجم مع موضوعه.

كما تتجلى في المقالة نزعة واضحة إلى الاحتفاء بالهوية المحلية، سواء من خلال الحديث عن اللهجة التهامية أو العادات الاجتماعية أو منظومة القيم المرتبطة بالتكافل والوفاء وصلة الرحم وإكرام الضيف، وهي عناصر تشكل محوراً أساسياً في البناء الدلالي للنص.

ومن الناحية الفنية، يوظف الكاتب المقابلات اللفظية بين الحرب والسلام، والقسوة والرقة، والغدر والوفاء، ليمنح مقاله بعداً أخلاقياً وإنسانياً يتجاوز حدود المكان إلى فضاء القيم المشتركة بين البشر.




🔴 جميع الحقوق الأدبية للنص محفوظة للكاتب والأديب حمزة ذياب، وقد نُشرت المقالة كما وردت دون أي تعديل في محتواها، مع إضافة مقدمة وتحليل أدبي ومعالجة تحريرية خاصة بالنشر الإلكتروني.

إرسال تعليق

0 تعليقات