بين شرف الوظيفة وضغط المجتمع: هل أصبحت النزاهة تهمة؟

نظيف اليدين في زمن الاتهام

🏡 نظيف اليدين في زمن الاتهام

موظف بين الواقع الاقتصادي وسؤال “لماذا لم تصبح ثرياً؟”


على مدار أكثر من عشرين عاماً، تتكرر أمامي عبارات لا تتغير كثيراً. ألتقي بأشخاص جمعتني بهم سنوات طويلة من المعرفة، فيبادرني بعضهم بدهشة صريحة: كيف لم تمتلك منزلاً بعد 25 عاماً في الوظيفة؟

ولا يتوقف الأمر عند حدود الاستغراب، بل يتحول أحياناً إلى لوم مباشر واتهامات مبطنة بالتقصير أو قلة الحيلة. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

هل أصبح الموظف النزيه مطالباً بتبرير فقره؟

⚖ بين الواقع الوظيفي والواقع الاقتصادي

أعمل خبيراً جنائياً في مجال مسرح الجريمة برتبة ملازم أول، بخبرة تمتد لأكثر من 25 عاماً في التحقيقات والأدلة الفنية.

دخلي يتمثل في راتب حكومي محدود، إضافة إلى أتعاب وتكاليف أعمال الخبرة، التي لا تكاد تغطي متطلبات الحياة اليومية في ظل:

  • تدهور الوضع الاقتصادي
  • ارتفاع تكاليف المعيشة
  • التضخم المستمر
  • ضعف القدرة الشرائية

فكيف يُتوقع من موظف حكومي محدود الدخل أن يدخر لبناء منزل أو شراء أرضية في واقع اقتصادي متقلب؟

🧭 صراع داخلي واعتراف منصف

بعد تكرار المقارنات، خضت صراعاً صامتاً مع نفسي، وسأكون صريحاً:

أولاً: ربما كان هناك تقصير جزئي في سنوات سابقة حين كانت الأسعار أقل وكان يمكن اقتناص فرصة أفضل.

ثانياً: هل نتجاهل انهيار الاقتصاد؟ وهل نتجاهل الفارق بين الدخل المشروع والمكاسب المشبوهة؟

🏛 مجتمع يلوم الضحية ويتغاضى عن الجلاد

بدلاً من أن يُطرح السؤال المنطقي: من أين لك هذا؟ يُطرح سؤال آخر: لماذا لم تفعل مثلهم؟

وكأن الرسالة الضمنية تقول: لماذا لم تستغل موقعك الوظيفي؟ لماذا لم توظف منصبك لتحقيق مكاسب؟

المؤلم ليس أنني لم أبنِ منزلاً.

المؤلم أن السؤال يُوجَّه لي أنا، ولا يُوجَّه لغيري.

بدلاً من أن يُطرح السؤال المنطقي:

"من أين لك هذا؟"

يُطرح سؤال آخر:

"لماذا لم تفعل مثلهم؟"

وكأن الرسالة الضمنية تقول:

لماذا لم تستغل منصبك؟

لماذا لم توظف موقعك الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية؟

أليس هذا قلباً لمفهوم النزاهة؟

المنصب أمانة… وليس فرصة استغلال.

النزاهة ليست فشلاً

في زمن اختلطت فيه المعايير، أصبح الثري هو الناجح، بغض النظر عن الوسيلة.
وأصبح الموظف الشريف مطالباً بتبرير عدم ثرائه.
لكن الحقيقة التي أؤمن بها:
المنصب أمانة وليس فرصة استغلال
الوظيفة خدمة عامة وليست باباً للإثراء
النزاهة خيار واعٍ وليست عجزاً
أن تبقى نظيف اليدين، رغم المغريات، ليس ضعفاً… بل قوة أخلاقية.

🖋 خاتمة

لسـت أكتب شكوى، ولا أطلب تعاطفاً.

أكتب شهادة موقف.

في زمن لا يُسأل فيه اللص: لماذا سرقت؟

ويُسأل غير اللص: لماذا لم تسرق؟

أقولها بثبات:

الضمير الذي لم يُبع… أغلى من منزل يُبنى بثمن النزاهة.


🔔 للاشتراك ومتابعة كل جديد وحصري يرجى الضغط على زر المتابعة أعلى الصفحة

🔵 فيسبوك   |   🟢 واتساب   |   🔷 تويتر   |   📸 إنستجرام   |   ✈ تيليجرام

إرسال تعليق

0 تعليقات